«

»

الخيط الرفيع

 

للكاتب والأديب أحسان عبد القدوس في روايته أين عمري, حيث قال :

شيء اسمه : الحب .. وشيء اسمه : غريزة التملك ..

وبين الحب وغريزة التملك خيط رفيع .. رفيع جدا .. إذا مـا تبينته تكشف لك الفارق الكبير …

أن الحب عاطفة قد تسمو بك دائما إلى مرتبة الملائكة …

والتملك غريزة تنحط بك دائما إلى مرتبة الحيوان …

الحب يدفعك إلى أن تضحي بنفسك في سبيل من تحب…

وغريزة التملك تدفعك إلى أن تضحي بغيرك في سبيل نفسك …

والتملك يجعلك تغار لنفسك … لسعادتك , وراحتك, وسلامتك … وشهوتك !! ..

الحـب عطاء .. سخاء !! والتملك أخذ .. أنانية !!..

ورغم ذلك فان من الصعب أن تتبين الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحب وغريزة التملك , فان الحب ـ حب الإنسان لا حب الملائمة ـ مقرون دائما بحب التملك .. فكل من يحب يتمنى أن يتملك من يحب , وقد تتحقق له أمنيته فتكتمل له عناصر الحب , فإذا لم تتحقق أمنيته يبقى الحب ناقصاً احد عناصره , ولكنه يبقى ! .. فالتملك عنصر من عناصر الحب …

ولكن الحب ليس دائما عنصراً من عناصر التملك , فانك تستطيع أن تمتلك دون أن تحب ..كل ما هنالك أن غريزة التملك قد تشتد بك وتعصف بنفسك حتى يخيل إليك انك تحب .

هذا هو الخيط الرفيع …

واني احذر القراء من أن يحاولوا البحث وراء هذا الخيط , أو يتساءل كل رجل منهم إن كانت فتاته تحبه أو فقط تحرص على أن تتملكه , أو تتساءل كل فتاة إن كان رجلها يحبها حقيقة أم فقط يتباهى بامتلاكها ليرضي غريزته … ويوم يبحث الجميع وراء الخيط الرفيع ويعم هذا التساؤل , تشقى النفوس , ويتبين أن تسعين في المائة من الزيجات أو العلاقات التي تبدو سعيدة ليس للحب دخل فيها ,أنما هي سعادة وهمية تقوم على حرص كل منهما على امتلاك الآخر , وان كلا منهما على استعداد ليخون الآخر مع حرصه على امتلاكه , فان غريزة التملك لا تحول دون الخيانة بل تدفع إليها … فانك عندما تمتلك امرأة تسعى لتمتلك ثنية , وثالثة, وكذلك المرأة عندما تمتلك رجلا تسعى لامتلاك ثان , وثالث .. تماماً كامتلاك المال أو العمارات …

وهذا يفسر لنا لماذا تخون هذه الزوجة المحافظة التي تبدو سعيدة بزوجها وبيتها وأولادها … لماذا تخون زوجها وقد وفر لها الشباب والمركز الاجتماعي وضمن لها المستقبل ؟! .. ولماذا يخون هذا الفتى فتاته, وقد وفرت له الشباب والجمال وحسده عليها الجميع ؟! .. ولماذا تحرص الزوجة الخائنة على الإبقاء على زوجها , ويحرص الفتى الخائن على فتاته؟ ثم لماذا يقتل الرجل الخائن امرأته إذا خانته , أو تقتل المرأة الخائنة رجلها إذا خانها ؟ .. وكل ذلك باسم الحب , رغم أن الحب يحمل معنى الإبقاء على من تحب , وإسعاده, ولو على حساب سعادتك وعواطفك ؟! … انه الخيط الرفيع ….

فالحب هو الذي يحول دون الخيانة … دون القتل … ودون الغيرة المجنونة الحمقاء .. والتملك هو الذي يدفع إلى الخيانة , والى الهدم , والى الأنانية القاتلة … وصدقوني عندما أحذركم من البحث وراء الخيط الرفيع , فان كل من تتكشف له نفسه ونفوس الناس , يشقى بها وبهم …

 

Permanent link to this article: http://hayatfirst.com/?p=1176