«

»

( البكاء ) و ( الضحـك )

 

جابر بن حيان

قال أبي عثمان الجاحظ في كتابه ( البخلاء ) ، لك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء : تبين حجة طريفة ، أو تعرف حيلة لطيفة ، او استفادة نادرة عجيبة . وأنت في ضحك منه ، إذا شئت ، وفي لهو إذا مللت الجد . 

  أنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود المغبة إذا وافق الموضوع ، ولم يجاوز المقدار ولم يعدل عن الجهة ودليل على الرقة والبعد على القسوة ، وربما عدَ من الوفاء وشدة الوجد على الأولياء . وهو من أعظم ما تقرب به العابدون ، واسترحم به الخائفون . 

ضرب (( عامر بن عبد قيس )) بيده على عينه ، فقال : جامدة شاخصة لا تندى . 

وقيل (( لصفوان بن محرز )) عند طول بكائه ، وتذكر أحزانه ( أن طول البكاء يورث العمى ) ، فقال : (( ذلك لها شهادة )) فبكى حتى عمى . وإذا كان البكاء ( ما دام صاحبه فيه فانه في بلاء ، وربما أعمى البصر ، وأفسد الدماغ ، ودل على السخف ، وقضي على صاحبه بالهلع ، وشبه با لآمة للبكاء ، 

وبالحدث الضرع ) . فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور ، إلى أن ينقطع عنه سببه . 

ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك ، وقبيحا من المضحك ، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبني (( كأنه يضحك ضحكا )) 

فوضع الضحك بحذاء الحياة ، ووضع البكاء بحذاء الموت ، وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما ،ومن مصلحة الطباع كبيرا ،وهو شيء في 

أصل الطباع وفي أساس التركيب ؟ لأن الضحك اول خير يظهر من الصبي ، وبه تطيب نفسه ، وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علة سروره ، ومادة قوته 

ولفضل خصال الضحك عند العرب ،  تسمي أولادها (( بالضحّاك )) و (( بسام )) و(( طلق ـ طليق )) . 

واذا مدحوا الضاحك قالوا : هو ضحوك السن وبسام العشيات ، وهش الى الضيف ، وذو أريحية واهتزاز ، وإذا ذموا قالوا : هو عبوس وهو كالح وهو قطوب وهو شتيم المحيا وهو مكفهر 

أبدا ، وهو كريه ومقبض الوجه ، وحامض الوجه ، وكأنما وجهه بالخجل منضوح . وللضحك موضع وله مقدار ، وللمزح موضع وله مقدار ، متى جازهما أحد ، وقصر عنهما احد ، صار الفاضل خطلا ، والتقصير نقصا . 

فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر ، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر ، ومتى أريد بالمزح النفع ، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك ، صار المزح جدا ، والضحك وقارا . 

 

 

 

Permanent link to this article: http://hayatfirst.com/?p=2726