قدرة الطبيعة في صنع الأفكار والمشاعر

في الطبيعة ولغة الإحساس
مرساةُ أفكاري الصافية
حاضنةُ ودليلُ وحديقةُ
قلبي وروح وجودي الأخلاقي كله
ــ وليام ووردورث

للشعر قوة فعّالة تتجاوز التقوقعات التي فصلت المجتمع البشري عن الطبيعة .
يقول جوناثان بات عن كتابه أغنية الأرض The Song of the Earth إنه يدور حول السؤال التالي : «لماذا يبقى الشعر مهمًا ونحن نعبر إلى ألفية جديدة ستكون محكومة بالتقنية؟» ثم يتوسع أكثر ليقول: «إنه كتاب حول اغتراب الإنسان الغربي الحديث عن الطبيعة وحول قدرة الكاتب على أن يعيدنا إلى الأرض Earth بيتنا و إن الشعرالإيكولوجي الجيد هو ذلك الذي يستطيع العودة بنا إلى الأرض، ويقول في موضع آخر:
أفكر في هذا الكتاب “كتجربة في الشعريات الإيكولوجية “. وهذه التجربة هي التالية: أن نرى ما يحدث عندما نعتبر القصائد حدائق متخيَّلة قد نستطيع فيها أن نتنفس هواء غير ملوث ونكيّف أنفسنا مع نمط من الإقامة غير مغترب.
ويقترح ووردورث في مقدمة ديوانه ” قصائد غنائية ” أن الشعر هو” الدفق التلقائي لمشاعر قوية ” لكنه أيضًا « انفعال يُستحضر بصفاء» ويؤدي إلى خلق انفعال جديد في العقل. ينظر إلى الطبيعة الخلاقة للفعل الشعري باعتبارها القدرة على الانفعال «بالأشياء الغائبة كما لو أنها حاضرة» والتعبير عن كل من «الأفكار والمشاعر» التي تنبثق بدون توسط الإثارة الخارجية .

وصور د. حسان الجودي مشاعره في مقطوعة من ” طائر أبو الحنِّ الذكي ” لـ
سرد الشِّعر / إيكوصوفيا / فلسفة البيئة. وجاء فيها :

مازلتُ أغنِّي منذ الفجرِ. أدثِّرُ ريشي بالأغصانِ الخضرِ لشجْرة تينٍ في الطرف الغربيِّ من البلدةِ. أقصدُ أنْ أتخفَّى خلف الأغصان اللفَّاءِ، لأني أخشى الإنسانَ، وأخشى أن يرمي نحوي حجرًا، أو ينصب لي فخًا من دبقٍ، أو يقنصني بالبارودةِ، أو حتى أن يقطع كلَّ الأشجار، ليحظى بي.

أشعرُ بالغبطةِ حين أغنِّي، قلبي يقفز من صدري. يتدحرج في الغاباتِ، فترقص كلُّ الأعشابِ البريَّةِ. أعرف أني لا أحسنُ شيئًا غير غنائي. لكنِّي لن أترك بيتي في هذي التينةِ! أمِّي ترغب أن أتركها، وأسافر في كلِّ مكانٍ، حيث الشَّمس فصولٌ أخرى، من قمحٍ وحصادٍ. تغريني أمِّي بالنَّهرِ، بأشجار الكينا، باليرقاتِ على جذع الصفصافِ. ولكنِّي أرفضُ أن أتزحزح عن مملكتي في أغصان التينِ. أقول لأمِّي: أشعر بالحزن يغلِّف أعماقي، وغنائي لا يشفيني منه! أشعر بالغربةِ والخوف من المستقبلِ. والإنسان عدوي وعدو البيئةِ. لن أجرؤ أن أسكن في شجرٍ في الطرف الشرقيِّ من البلدةِ. حيث أقام الإنسان معامله قرب النَّهرِ، نصيبي، إن غادرت فضائي، مرضٌ في رئتي أو هرمٌ في روحي.

أيقظني صوتُ الآلاتِ صباحًا. كان العمَّالُ يقومون بقطع الأشجارِ. صرختُ فلم يسمعني أحدٌ. كنتُ وحيدًا في الأنحاءِ، وقد هربتْ كلُّ طيور الغابةِ. شاهدتُ الآلةَ قادمةً كي تفسد وكري. أيقنتُ بأني مضطرٌ، أنْ أبحث عن وطنٍ آخرَ. طرتُ إلى أعلى غصنٍ، شاهدتُ الأفقَ الممدودَ، وأغرتني ألوانُ الخضرةِ أن أتبع سهمَ الضَّوء، ولكني أغمضتُ عيوني لأودِّع بيتي، ثم بدأتُ غنائي. ردَّد صوتي صوتٌ في الآفاقِ، وخُيَّل لي أنَّ الصوت يناديني كي أنقذهُ من شركٍ أو صيَّادٍ أو أفعى. تابعتُ غنائي، وحلَّقتُ على موجات الصوتِ إلى الصوت الآخرِ، ثم وجدتُ فضاءً أجردَ، فيه الأرضُ مشقَّقةٌ بأخاديد الملحِ. توقَّفتُ على مرتفعٍ منها. تابعتُ غنائي، فردَّد ثعبانٌ تحتي صوتي. خفتُ وطرتُ، فناداني الثعبانُ لأحملهُ، أخبرَ أنَّ السِّحرَ يعمُّ الأرضَ، وأنَّ الإنسان تحوَّل كي يصبح ضبعًا يأكل من أحشاء الكونِ. وأنَّ جميع الحيوانات العاشبة انقرضتْ. وطيور الغابة عادت نحو التاريخِ، لتصبح ديناصوراتٍ وأفاعٍ تسعى في البريَّةِ. هل صدقتُ الثعبانَ؟ لا أذكر فعلاً! أذكر أني تابعتُ غنائي.

فأنا آخِرُ طيرٍ، يملك ذاكرة البستانْ.

بل آخِرُ ثعبانٍ، يملك ذاكرة الإنسانْ.

بل آخِرُ إنسانٍ، دمر بيئتهُ حين تمنَّعَ عن فلسفة الإحسانْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.